منيع عبد الحليم محمود

24

مناهج المفسرين

لقد أخفق في دراسة علم الكلام ، ولكنه كان يحب أن يشتهر بالاعتزال والفلسفة ، وليس له فيهما قدم . وأما تظاهره بذلك ، فإنما كان تقربا للمأمون . فإنه ما كان أحد يتقرب منه إلا إذا كانت له ميول اعتزالية ، ومرن لسانه على استعمال مصطلحات فلسفية . ومع إخفاقه في علم الكلام ، فإنه برع في علوم كثيرة ، يقول ثمامة بن أشرس - وهو من أئمة المعتزلة ، وكان مقربا من المأمون - يقول عن الفراء : رأيت له أبهة أدب فجلست إليه ، فناقشته عن اللغة ، فوجدته بحرا وعن النحو ، فشاهدته نسيجا وحده ، وعن الفقه : فوجدته فقيها عارفا باختلاف القوم ، وفي النجوم : ماهرا ، وبالطب : خبيرا ، وبأيام العرب واشعارها : حاذقا . واشتهر الفراء وذاع صيته ، فاستدعاه الرشيد ، وأنس له ، وجنى الفراء من وراء ذلك ثروة ومنزلة فألف التردد على أبواب الأمراء والملوك فقد اتصل بالمأمون ، ويروى المؤرخون له أن المأمون عهد إليه أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو ، وما سمع من العرب ، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار . ووكل بها جواري ، وخدما للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ، ولا تتشوق نفسه إلى شئ حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصير له الوراقين ، والزمه الأمناء والمنفقين ، فكان الوراقون يكتبون حتى صنف كتاب الحدود ، وأمره المأمون بكتبه في الخزائن . وأنس المأمون به كما أنس الرشيد ، وأدناه المأمون إلى درجة أن وكل إليه تعليم أبنائه ومع أنه كان يتردد على أبواب الأمراء والوجهاء والملوك ، فقد كانت له ميزات حسنة نذكر منها : أنه كان متقشفا بطبيعته ، وكان المال الذي يأتيه في أثناء العام يجمعه إلى موعد معين يفارق فيه بغداد إلى الكوفة ، حيث أهله وعشيرته فيمكث بالكوفة